الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
466
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وفي حديث مالك بن صعصعة : ( فلما جاوزته - يعنى موسى - بكى ، فنودي : ما يبكيك ؟ قال : رب ، هذا غلام بعثته بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي ) « 1 » . ولم يكن بكاء موسى حسدا ، معاذ اللّه ، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين ، فكيف بمن اصطفاه اللّه تعالى ، بل كان آسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم ، المستلزمة لتنقيص أجره ، لأن لكل نبي بمثل أجر كل من اتبعه ، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ، مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة . وقال العارف ابن أبي جمرة : قد جعل اللّه تعالى في قلوب أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام - الرأفة والرحمة لأمتهم ، وركبهم على ذلك ، وقد بكى نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : « هذه رحمة وإنما يرحم اللّه من عباده الرحماء » « 2 » ، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قد أخذوا من رحمة اللّه أوفر نصيب ، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد اللّه أكثر من غيرهم ، فلأجل ما كان لموسى - عليه السّلام - من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته ، لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم ، فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم اللّه أمته ببركة هذه الساعة . فإن قال قائل : كيف يكون هذا ، وأمته لا تخلو عن قسمين : قسم مات على الإيمان ، وقسم مات على الكفر ، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة ، والذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدا ، فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ ، لأن الحكم فيهم قد مرّ ونفذ . قيل : إن اللّه تعالى قدر قدره على قسمين ، فقدر قدرا وقدر أن ينفذ
--> ( 1 ) صحيح : وقد تقدم . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1284 ) في الجنائز ، باب : قول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه » ، ومسلم ( 923 ) في الجنائز ، باب : البكاء على الميت ، من حديث أسامة بن زيد - رضى اللّه عنهما - .